Saturday, April 20, 2013

ما تبقّى

تجذبه يدٌ على عُجالة. تبحثُ عن نقطة القطع لتشُقّه. يحتكُّ طرفاه قليلا قبل أن ينفصلا و تتسعُ الفُوّهة. سوادهُ قاتمٌ لا يشوبه بياض. حالكٌ ليواري بداخله ما لا يبغيه إنسان. هو وجدَ ليحمل بضعاً من أيّامنا، و يرحل بها سريعا إلى حيث لا ندري. وحدهُ يحتضن ذكريات مزّقناها بعناية كي لا يخلّدها الزمن، يحملُ ملامحاً من غنى هذا و فقر ذاك، من طعام التهمناه حتى أُتخمنا و آخر عافت منه أنفسنا فألقينا به. يحملُ شذرات من أيام عشقناها و أخرى أنفناها

يهرع الرجل حاملا إياه، ملتقطاً ما تبعثر على الأرض، مُلقيا به في جوفه. منتشلاً ما يجد من الأشلاء برفق إكراما لما تيقى من الأجساد الصغيرة. حول أحجار المبنى المنهار، اجتمع الناجون بحثا بين الركام . الجميع يبحث بوجوه مغطاة برمادٍ لا يصفو منه سوى خط انسكاب الدمع على الوجنبين. وجدوا ساق الطفلة و الثياب، قدمَ الصبي و الحذاء، و بقي الجسدُ في مكان ما. أفوق المنزل هو؟ أم في الطابق الأول أم الثاني، أم أخذته قوة القذيفة إلى باطن الأرض رحمةً منها؟ فهناك فقط ينعم بالاستقرار بعيدا عن عناء مراسم الدّفن و خطورته

يستمر البحث أياما، فربّما بقي شيء، أيُّ شيء! ربّما بقي الرأسُ حاملا ابتسامة من ريح الجنة، ابتسامةً تطمئنهم أن الرحيل لا يخلو من بعض الجمال. ربما بقي حضنٌ أخير تدفع الأم عمرها لتظفر به. ربما بقي في الحياة فسحةً ليحظى ما بقي من هذا الجسد الغضّ بقماش ناعم و فراش من ورد يقيهِ خشونة التراب

يتّسعُ كيس القمامة بقدر استطاعته ليضمَّ ذراع ياسمين، و قدم أحمد، و كفّ راما المحاط بأسورة، و ساعدَ عمر المزدانة بقميصه الجديد. يسعى جاهدا لاحتواء المزيد، إلا أنه يضيق كمداً فيُغلق على نفسه قبل الامتلاء. يُلقي بالمهمة لكيس ثان و ثالث و رابع. يحاول جاهداً أن يحتّك بإحدى الصخور ليحدث شقاً يتسرّب منه النور، فبداخل جعبته بضعٌ من صغار طالما رهبوا السواد و العتمة. تُغلق الفوّهة كي لا يتأذى المارّة من الرائحة و قسوة المنظر. "لا تفتحه، لا داعي، يكفي تصويره من الخارج". يبتعد البشرُ جزعا، و يضمُّ هو نفسه محتضناً ما بداخله، مربّتاً عليهم علّه يجعل رحلتهم الأخيرة أقلّ شقاء


رحل السكان و انطوت قلوب المدن حزناً، فما بقي جدارٌ صامد، و لا ماء عذبٌ يسيل، و لا كهرباءُ تنير. من الحجارة ما يلينُ ألما على من احتضنهم و أدفأهم أعواما طوالا و جيلا بعد جيل. منها ما يرفض أن يقطنه ظالم أو يخطّ على تضاريسه كلمات تستفز ناظرها، فينهار مؤثرا الرحيل. و منها ما يأبى إلا أن يبقى صامدا و إن ضرب بقذيفة تلو الأخرى ليروي الحكاية

حين يصبح الطفل بين أحضان القمامة، حين تختلط الأعضاء ببعضها فلا تدفنُ الأطراف مع الجسد، حين ننغلقُ على أنفسنا لمرأى الأكياس الراحلة بأطفالنا .. حينها فقط لا يبدو تجاهلنا أقلّ حلكةً من أكياس القمامة

شهداءَ مجزرة الأطفال بسراقب و كلّ سوريا .. يُعيد الله الجسد كما كان يومَ يشاء؛ جميلا، لدناً، و ناعماً. يُخلّدُ الله الروح في نعيمه، ونبقى نحنُ الآمنون نطلبُ الغفران.. أتراه يبلغُنا و نحن القاعدون؟

Monday, December 24, 2012

بالأمس اكتمل المشهد


ما زال المشهد ناقصاً، لا أستطيع استشعار المكان بكافة تفاصيله. ما هي حالة الطقس في تلك اللحظة؟ كيف تبدو رائحةُ المكان قبل وقوع الحادثة و بعدها؟ ما حال المارّة و المشترين؟ 



عالجت التفاصيل أربع مرات أو يزيد، و يبدو أنّها بحاجة للمزيد من الخيال حتى تبدو أكثر واقعيةً و قرباً لذهن القارئ. لا أريد حذفه و إن عاندني طويلا، فهو أكثر الأحداث تأثيراً في صفحات القصة. كثيرا ما أغمضت عينيّ و أبحرت في تخيّله بتفاصيله الدقيقة، تماماً كما أرشدني منتقدوا قصتي

سوقُ المدينة الهادئ. المخبزُ و هو ينفجرُ على حين غرّة. الزجاجُ المتطاير. هلعُ الواقفين بانتظار دورهم. موتُ البعض حرقا، و البعض اختناقا، أو دهساً بين الأقدام . الرماد الأسود المتبقي. عزاءُ الضحايا. رحيلُهم إلى مثواهم .. كذلك بدت الحادثة لدي

رسمت المشهد كاملا في أولى صفحات القصة. إلا أنّه كان أقلّ صبرا من أن ينتظرني لأنهي الحكاية و أقدّمها لناشر، بل عاجلني بخروجه على أرض الواقع. خرج للحياة تاركا قلمي كالشريد لا يدري كيف يمضي قدماً بعد اليوم. رأيتهُ مجسدا، و لكن ليس في عام النّكبة في إحدى قرى فلسطين الصغيرة كما أردت له، بل في عام ثورة سوريا على أرض حلفايا بريف حماة  

ما أرّق القلم الذي خططت به آن ذاك، و ما أحنّ خيالي على الورق، و أشدّ شفقتي على مشاعر القارئ. أتى بشّــار معلماً إيايّ الحبكة الروائية كما لم أتقنها من قبل. لم يتطلّب الأمر منه سوى إشارة بإصبعه لتبدأ الطائرات بالغارات الجوية، أو ربّما كان مجّرد أمر حيك بليلٍ من أحد اتباعه دون اكتراث

عاجلني بشّــار بالتفاصيل التي غابت عني. غاب عني رغيف الخبز المنقّع بالدم القاني عوضاً عن الزيت و الجبن . لم أر في مخيّلتي الملابس الملقاة على بعد أمتار من صاحبها . المارّة فاغروا الفاه،الأهالي القادمون من بعيد هلعاً. الصدمةُ التي شلت حركة من نجا، فأردته قعيدا. أصبعُ السبابة يخرج متشهداً بين الإسمنت . لم أجرؤ على وصف الجثث المتفحمة جراء ظلم و عدوان من كُلف مسؤولية الاعتناء بشعبه، تماما كما يحدث أن يهمل الخباز رغيفه فيحترق و تبلى حياته



يبدو أن النفوس التي تنشد الحرية و تخط أسطرا لرفع شيء من الظلام، لا تجيد وصف بشاعة الظلم كما يتقنها الطغاة. تفوق قدرة و براعة حبكتهم كل ما يحمله الروائيّ من خيال غض. تنسحب أقلامنا خجلا، و تنعقد ألستنا حنقاً، و تبقى رؤوسنا منخفضةً تتمتم، ما حيلة أيدينا يا الله

لم يعد مشهد المخبز الأكثر تأثيرا في صفحاتي، بل ربما أضعفها و أشدها إيلاما لدي. لم أعد بحاجة للبحث عن صور مبانٍ محترقة أو قراءة حوادث انفجار لأستجدي التفاصيل. وحدها سوريـا تلخّص الحكاية. تخطُّ المشهد تلو الآخر بكل حرفيّة و طول صبر، و قليلاً .. قليلاً ما تجد الأحداث لها من ناشر أو قارئ 

Tuesday, July 31, 2012

أويعودُ المشتاق؟


ليس هناك ما يؤجّج القلب و يجعله متلهّفاً كقرب لقاء من نشتاق. ذاك الذي نخاله بعيداً لن يأتيَ قبل مرور المزيد من السنوات. نحتملُ بعده كقدر مفروض لا حيلة لنا بتغييره، و نُؤنس أنفسنا بميعاد نعلم أنه بعيد المدى.. لكن ما أن يفاجئنا بعودة قريبة و لقاء بميعاد حتى يجوب خيالنا ما اتسع له من أفق، و تطوف أرواحنا في سماء لا سقف لها

صورةٌ من جواز السفر و خمسون دينارا و أسبوعان من الانتظار هي ما تفصلني عن لقاء من آلمني طويلا فراقه .. أسبوعان حتى أعلم إن كان لي من زيارة الوطن بعد ٢٢ عاما نصيب. تزاحمت المشاهد في مخيّلتي حتى لجأت لتدوينها خطوةً بخطوة كي لا تغيب عنّي أدق تفاصيلها، مشاهدُ جاءت كسيل من الإلهام انهدر بعد انقطاع حتى كاد يغمرني

ترى أتكون باستقبالنا تلك الجنديّة ذاتها التي أيقظتني من نومي حين كنت بعمر ٣ أشهر فقط لتفتش جسدي الغض الصغير؟ تلك الزيارة الوحيدة التي لا أعلم لها كنهاً! أم سيكون ذاك الجنديّ الذي ينفث الدخّان و يدندن بالألحان ليغيظ المسافرين بهدوء أعصابه؟ مضى عقدان من الزمان و ما زالت ذات الوجوه، وجوه حفنة الصهاينة المهاجرين في استقبال أهل الأرض اللاجئين

تسعة أيام لا أكثر هي المتاحة لنا لنقضيها كسواح هناك، حالنا كحال أجنبي يزور أرضاً ليلتقط صوراً تذكارية بجانب متاحفها و يبتاع من أسواقها و يرحل! و هل تكفي تسعة لتملأ جسداً خالياً من الذكريات، لترسم في خلاياه تفاصيل ملامح تائهة مبهمة نقشتها الرويات الأدبية، و التقارير الأخبارية ،و بعض حكايات ترعرعنا على سماعها مرارا

قد تتيح لي الأيام التسعة إكمال صفحات رواية عاندتني طويلا، سأملأُ صفحاتها بالتفاصيل الناقصة التي طالما أستجديتها من كل زائر و مقيم هناك. سأعيد كتابة المشاهد لتبدو أكثر واقعية و قربا للقارئ. يل يبدو أني بحاجة للالتقاط بعض الصور لتضفي على حبكة الأحداث دقة و جمالا 

دوناً عن السُكان هناك، فأنا كسائح يتاح لي دون شروط عُمريّة أن أزور المسجد الأقصى. لطالما أخذني الحينن لساحات الحرم المكي في رمضان، لكن أن أجد يد الله الحانية تأخذني لساحات الأقصى في العشر المباركة، فتلك تالله نعمة تفوق قدرة مخيلتي الصغيرة على تصورها 

سأنتقل من ثرى القدس الطاهر، إلى الضفة الغربية التي تحتضن الكثير من أهلي الذين لم أعرف لهم سوى اسما و بعض الصور لا أكثر. سأتقن للمرة الأولى التفريق بين فروع الشجرة العائلية التي طالما أخطأتها ، فمن هو ابن من، و من هي تلك التي أنجبت هذا. سأرى كيف يبدو احتضان مدينة صغيرة للكثير من أفراد عائلتي، شعور لم أختبره يوما، و لا أدري إن كان سيروقني أم أني سأفضّل ما اعتدت عليه !

ترى كيف تبدو طبيعتك الخضراء و جبالك و البحار، هل يُسمع للأرض أنين مثقل بمستوطنات ركبت ظهرها و أخفت جمال صنعها الإلهي. هل سأطيق رؤية المحتل يتمشى هنا و هناك، يأمر و ينهى و يعتقل و يطغى، ثم يعود ليؤدي طقوسه الشعائرية بكل هدوء تحت ظل سمائك؟ هل سأصمت و أتبع أوامرهم و أنا من يصيبني بالحنق كل اعوجاج


يبدو أن لقاء الوطن للمرة الأولى يحمل من الرهبة الكثير. أتُرانا نميل للإبقاء على الأسطورة التي رسمناها في مخيلتنا عوضا عن معايشتها بتشوهها و انكسارها ! سأخطو لأرض فلـسطيـن و أنا أدعو لكل لاجئ خرج من أرضه كراهية أن يعود لثراها. سأدعو لي و له أن نعود لا كسوّاح بأيام قلائل بل كأصحاب حق و أرض 

إلا أنها سويعات لا أكثر، سويعات فقط هي التي منحت لي لأرى لقاءنا رأي العين، لأشعر بقرب ملامسة جبهتي لسجّاد ساحات المسجد الأقصى. سويعات فقط قبل أن تنقطع هذه السلسة في جزئها الأول

 جاء الردّ سريعاً كمن يتعجل إزالة شائبة عن وجهه  .. الباصات ممتلئة .. التقديم مغلق لشهرين للأمام أو يزيد .. لا لقاء لكما هذا العام

من يربـط على قلـب المشتـاق إلاّك يا اللّـه ؟

Tuesday, May 15, 2012

بهــجةُ النّـكبـة

هدوءٌ يصمّ الآذان .. هدوءٌ يحمل في داخله ضجيجاً لا أعلم مصدره. أنظرُ من خلف قبضة الباب لأرى كلّ سكان القرية في حماية تلك المغارة الجبلية التي يصل إليها بصري. الجميع يسير و يتلفّت يمنة و يسرة كمن يترقب أمراً. أهرع إلى والدتي لأجدها تستعدّ للحاق بالركب. سرنا و معنا حقيبة صغيرة بها بعض الثياب لأخي الرضيع. لا أذكر كثيرا ما حدث حينها، أو لم خرجنا. لكني لا أنسى حين ابتل ثوبي الجديد بماء النّهر لنعبر للضفّة الأخرى، و حين أطبقت والدتي بكفّها على فمي لأصمت و أكفّ عن طرح الأسئلة 

 أربعة و ستون عاما مضت،  عام طوى الآخر تشبّعت خلالها بالحنين المتخبط بين الأسى و الأمل لأرى تلك الأرض المحفورة في ذاكرتي الصغيرة آن ذاك. أقلّب دوما التقويم السنويّ و أشير إلى الخامس عشر من مايو حتى أروي الحكاية القصيرة. أحاول البحث عبثاً عن المزيد من التفاصيل لتُثري علاقتي بتلك الدّيار. أعدتُّها مرارا لزمنٍ قبل أن أتوقّف عن ترديدها. لم أتوقف نسياناً أو تجاهلاً، لكن حين يعظم الألم في داخلي و تتيه ملامح الدنيا أمامي، أُغمض عيني للحظات و أجعل ضحكات رفاق القرية و أحاديثهم تنساب من ذاكرتي لأذنيّ. أتذوَّق كلماتهم حرفاً حرفاً، و أستشعرها بكلّ ما تحمله من براءة. يطربُ قلبي لها و تذهبُ أحلامي بعيداً حتى تصل إلى هناك 

دعيني أحدثك أيتها الأرضُ الطاهرة عن صوت يَدوي هذا العام مجلجلاً رغم ضعف الجسد الذي يخرج منه وَ وهنه. ذاك الصّوت الذي أخبرني أن البُعدَ عنك كان محض اختيار بحت جنيتُه على نفسي.  اكتفيت بتكرار شذرات ذكريات، و مُشاهدة ِ سير أيّامك و تقلّب أحداثك. دعوت لكِ أياماً طوالاً، ظنا أنّي ضحية ما بحيلتها سوى الدُّعاء و الصبر 

لكنَّ الصوت الذي سمعتُ أثار عاصفة هوجاء في داخلي، أيعقلُ أن أحلم بك و لا أجد السبيل إليك! أعجزت أن أصلك كما فعل صاحب الصوت و هو لا يملك من الحرية ما أملك! أسمع رغم القفار الشاسعة بيننا صوت قرقرة أمعاء تخرج من خلف أسوار كدنا أن ننسى وجودها. يُطبق صاحبها شفتاهُ ليتحدثّ جسده بكل ما أوتي من جَلَد
:

إن كان السَّيـر بين هذه الجدران هو قـدري، فـلـن أسيـر 
إن كان الـوعـي الكامـل بما يدور حولي من امتهان هو مصيري، فـلـن أعـي 
إن كان الحـديـث يتلخّص حول حرية يقبضُ على عُنقِها خوّان، فـلـن أتـحـدث 

لـن أسيـر، و لـن أعـي ، و لـن أتـحـدّث ، و ليقضي الله في صـمـتي و جـوعـي أمراً كان مفعولا

تلك القرقرات التي تزداد حدة يوماً بعد يوم أحبُّ إليّ من صوت سياطهم، و من طرطقة مفاتيحهم لغلق الباب وراء الباب. سأدع الفرصة لهذا التجويف في داخلي أن يحاول استنطاق من تركونا بلا مؤازرة هنا. ما بالي أراهم يخشون على حياتي من الهلاك، عجباً، و هل تبقى حياةٌ لمن بقي معزولاً عن هذا الوطن مكبَّل الأطراف. أحزنُ على هذا الجسد المكلوم الذي يصلُه صوت المحزونين، و يستنجد به حجر المساجد المهدّمة، و تخنقُه رائحة رماد المصاحف المحترقة، لكنّه يبقى عاجزا عن الحراك

ما أقسى أن تُلوى يداك خلف ظهرك، و تكمّم عيناك لسعيك دفاعا عن وطنك الكسير؛ لكن لئن أرفع يديّ عزة و يلويها المغتصب، أحب إليّ من أن تبقى في جيبي مرتاحة آمنة و ذليلة !

بينما هللّ البعض بصمودنا و جعلوا منه نصراً لهم، قال  الآخرون عن فعالنا ضرب من التهوّر و هلاك النفس. بربّكم أيكون في الجوع حُرمةٌ و انتحاراً، و في شلّ حركتنا أعواما شرعية و جوازاً ! لو كان وجودي حياً هو ما يشغلكم، لما استطاع هذا الجبان أن يقهقه أمام صرخاتنا 

سنجــوعُ حتى يفقد هذا السجّان ضحكته هلعاً، و حتى تعلمَ الأسلاك الشائكة التي أكحّل بها عيني كلّ صباح أن لذّة الطعام تتلاشى حين تُهضم حقوقنا و نُحرم عن نصرة وطننا. سنجــوعُ حتى يعلم كلّ فرد أن هذه الأرض لا يتخلى أهلها عن حقهم في الحياة الكريمة 


دعيني أحدثك أيتها الأرض الطاهرة عن سعادتي بانتصار الأمعاء الفارغة أمام المعوقات، لكنّي لا أستطيع أن أرقص طرباً و آخذ بالمفاخرة بصبر العربي و صموده. كيف لي أن أفخر بما لا يدَ لي في حدوثه أو استمراريّته؟ في يوم نكـبتـك و في ظل الأهازيج و التكبيرات التي انتشلت صبغة الحزن عن هذا اليوم التاريخي، أستحضر مقولة ديكنز:  العظيم بين الناس من كان عظيماً في شقائه، وعظيماً في سجنه، وعظيماً في قيوده

كانوا لك عظماءً في بعدهم الجزئي القسريّ عنك، فهل أكون لك كما كانوا، أم سأكتفي بالتصفيق كلّما ازداد نضالهم ؟ هم اقتربوا في بعدهم ، فهل تراني ارتضيت أن أزيد بعدي عنك أضعافا؟

Friday, April 20, 2012

تلك العينان !


دعني أريح هذه الرأس المثقلة على جبينك البيضاء الناعمة ، دعني أهمس بكلماتي الرقيقة و همومي في أذنيك ، دعني ألتمس قبس عينيك الزرقاوين لأضيء بهما عتمة سكنت روحي. أستسمحك عذرا لكل الألقاب التي وصموك بها،  و تلك التُّهم الجائرة التي أُلقيت على عاتقك.  ها أنا أرى يديك مكسوة بالأحمر القاني، لكني لا أحسبه سوى صبغة لوثتهما و أنت نتحني تواضعا لتطلي أحد جدران الفقراء، أو ربما و أنت تساهم في ذبح نعجة لإطعام الجياع . ما بالهم يهتفون بفصل قلبك عن جسد وطنك الذي لايحيا بغيرك، أتراهم عميت أبصارهم، أم أنّ الجمال لا تراه إلا عينٌ مبصرةٌ ذوّاقة؟



خرجت من دياري التي ما فارقتها يوماً بمتاعٍ قليل و زاد يسير. ودّعت الوطن و أنا أجرُّ قدميّ عنوة و أليّن لساني ليردّد كلماتهم. أخبروني ألا أتحدث، و  أن أدوس على هذا الألم ليصمت و ليحسب أنّه ما وجد يوما. ألتقط الصورة التي أطلت النظر إليها و أضعها على مقدمة قميصي لأعبر الحاجز بأمان. نتفق جميعا على رواية واحدة لنخبر بها كل من سنقابل في وجهاتنا المختلفة؛ فالمرء لا يلدغ من جحره مرتين. عبرت الحدود بعد سين و جيم، و رغم الازدحام الشديد إلا أنني خلت نفسي وحيداً لا يتوارد لسمعي وسط الضوضاء سوى صوت جارتنا، تلك الفتاة الحنطية التي استنجدت بي و تركتها لتموت و أحيا أنا

عبرت الحدود بشكل نظامي، و لم أجرؤ أن ألتفت بوجهي لأودّع الوطن. مضيت قدماً قاطعاً المسافات دون أن أشعر بالزمان من حولي. يعاود صوت أبواق السيارت المرور بجانبي مناديا لأركب بها خشية أن أتيه وحدي في العراء. ترحل السيارات بعد أن ترتسم على أصحابها علامات التعجب ، أأصم هذا الرجل، أم أبله !  قاربت الشمس على المغيب، و ما عادت قدماي بقادرة على أخذ خطوة أخرى. أخرجت شطيرة المربّى من حقيبتي و انهمكت بتناولها بيد و العبث بقدمي المتورمتين باليد الأخرى. نمت طويلا و لم أفق إلا في وسط حي مكتظ بالسكان و يكاد ينفجر من الضجيج الذي يحتضنه 

- "الحمد لله على السلامة أخي ، لقيناك ملقّح بالصحراء فجبناك لهون .. هون كل النازحين من بطش اللي ما ينزكر اسمه ساكنين"

رائحة هذا المكان ، و الثياب المتسخة التي يرتديها الأطفال، الهتافات التي تطلقها التجمعات الصغيرة، البيوت المتهاوية، الخيام التي تصل إلى امتداد البصر، كلُّ ما في هذا المكان أصابني بالدوار و الغثيان. أنا الذي جئت من أرقى الأحياء و ارتديت أفضل الثياب، أألقى هنا؟ يقف أمامي طفلٌ محدقاً بقميصي و يهرع ليجمع رفاقه 

- "ليكو الخاين حاطط صورة الأسد على صدره" 

و يبدأ الأطفال بالهتاف ، "خايــن ، خايــن"! أنتزع الصورة سريعا و أتدارك الموقف  بإقناعهم أنني وضعتها للضرورة فقط، يزدرونني بنظراتهم التي تفوقهم عمرا و يتفرقون عني. استجمعت قواي و ذهبت صوب الغرفة القابعة على طرف الشارع كما أشار لي أحد الرجال. ذهبت إلى مسكني الجديد بلا عقد ملكيّة، و بلا كهرباء تقي حرارة الصيف أو زمهرير الشتاء. استلقيت على المرتبة التي تتوسط الغرفة الصغيرة. شعرت لوهلة أنني صاحب الجاه وسطهم، فأنا وحدي بلا أطفال يجرّون ثيابي لأطعمهم ، و بلا إصابة تعيق حركتي، أو عاهة تمنعني من إعالة نفسي

قضيت ليلتي الأولى حبيس الجدران الأربعة، لم أجرؤ على مخالطة الناس أو مجاراة حديثهم. تصلني كلماتهم النّاقمة على حزب بشَّار حينا و المهللة بأرواح الشهداء حينا آخر. يحتدُّ النقاش بين الأهالي، فكل يزعم أن أرض مدينته و أرض حارته أكثر قداسة و تخضبا بدماء الشهداء . لا يهدأ الحديث و التحليلات السياسية إلا بصوت الإمام مناديا للصلاة. يجتمع الناس رجالا و نساء و أطفالا، و أستمع من خلف الباب لدعاء الإمام الطويل المصحوب بشهقات المصلين و بكائهم. أنظر الصورة التي بين يديّ و ألعن بداخلي الطريق الذي اخترت ،و الصمت الذي أقسمت أن أتوشح به ما حييت ، فأنا لم أر و لم أسمع

مرت أيامي الأولى و  أكاد لا أخرج سوى لقضاء حاجاتي الأساسية و العودة سريعا لمهجعي. أسترق النظر من النافذة الصغيرة لأرى تشييع الجنازات و التي تشكل جزءا يوميا من الحياة هنا، هذا شهيد درعا ، و ذاك شهيد حماة، و الثالث شهيد حمص. في يومي الخامس، شاركتهم الهتاف بصوت متحجرش خافت دون أن أفارق مطرحي، أهتف و تذرف عيناي بغزارة ، أتذوّق ملوحة الدمع و أتلذذ بطعمها، بها طعم لم أعهده من قبل ، طعم تحرر الروح من أسرها ، من أسر الأموال و الخوف و الطغيان ، تحررها من صمتها و خنوعها 

خرجت من سطوة الجدران الأربعة على عزم أن أبحث عن صوت أنين لم يفارق ليالي هذا المخيم يوما. بدا لي كصوت امرأة شابة، لكني لا أدري في أي الغرف تقطن. أخذت أسأل من حولي و لم يأخذ الأمر جهداً حتى وجدتها. طرقت الباب مستأذناً، ولجت لغرفة لا تختلف عن حال التي أقطنها. ألقيت التحية واتخذت الكرسي الوحيد في طرف الغرفة و وضعته بجانبها. امرأةٌ معصوية الرأس تختفي خلف جروح ملأت وجهها ملامح جميلة. "عايدة "، امرأة ذات الخامسة و الثلاثين ربيعاً من إدلب،  خرجت من تحت أنقاض منزلها  بإصابات بالغة، مخلّفة وراءها الجدران لتحتضن رفات زوجها و طفليها البالغين 10 أعوام و عامين

أصبحت زيارة عايدة و جلب حاجياتها و الذهاب بها للمشفى مرة كل أسبوع شغلي الشاغل. لا أدري ما الذي دفعني للاهتمام بها دون غيرها من مئات المحتاجين, بل و من هم بحاجة أمس للمعونة.  أترى عيناها الخضراوتان الدامعتان هما السبب؟ تلك العينان اللتان كلما نظرت إليهما ذكرت العينين الزرقاوتين اللتين طالما انحيت لهما رهبة خلال سنوات عمري الخمسة و العشرين . أشيح بوجهي خجلا بعيدا عنهما، و يتردد صدى كلمات لم تفارقني مذ أدرت ظهري للخط الحدودي :

ستتطهَّر الأرض يوما من طاغيتها ، و لكن من سيطهرك أمام نفسك و أمام أعين اللاجئين من مجاراة فعاله !


Monday, March 12, 2012

لأني ذقتُ الزيتونَ

تمتدّ يدنا لتناول تلك الحبّة الخضراء التي تأبى إلاّ أن تقطع القفار كل عام. تصلنا لتنشأ رابطةً بين مائدة طعامنا هنا، و تلك الأخرى الخاوية التي رحلنا عنها إلى غربتنا. تزداد مرارة حبّة الزيتون في بعض الأعوام، و تذهب المحاولات سدى لإعادة الطعم المعتدل لها. و ما مرّ الطعم إلا نتاج شجرة تتغذّى من تلك الأرض الطاهرة، و يعكس مذاقها ما تذوقه الأرض من مرارة


هو ذاك الذي ذكر سبعاً في الكتاب المبين و بورك من رب العرش، هو الزيتون دوماً من يثير اسمه حنق كل معتد ، حتى غدا رمزاً يصل البلدان ببعضها، و يوحّد الجراح. بين حي الزيتــون بغــزة و بين كـرم الزيتــون بحمــص، رأينا الموت يأتي ليسّلم على الناس و هم وقوف شامخون، لا ينحني جذعهم و لا يرفعون له الراية البيضاء. تعيش شجرة الزيتون أكثر من ألفي عام، و أرواح شهداء أحياء الزيتون و من حولهم ترفرف في سماء بلادها آلاف الأعوام


يقف لهم حامل الموت ماداً يده خلف كل جدار، و مقتحما كل الأبواب، و لسان حاله يقول: لا أدري حقيقة لم أفعل هذا، و لا أظن أنك حقا مصدر الخطر الذي يهدد أمني، لكنني سأقتلك أيّا يكن ... قد أندم يوما، قد تطاردني روحك أينما اتجهت، لا أدري، دعني أنهي مهمتي الآن و سنتحدث في هذا لاحقاً .. لاحقاً، إن مررت بقبرك يوما





ما أشد وطأة الموت الذي لم تلن عنجهيّته لبراءة الأطفال، ما زلت أسمع طرطقة عظام ثامر الشرعي و المثقاب يخترقها أينما طاب له . ما زال صمت حمزة الباكور الذي تعجّل فمه الشهادة و سبقه للجنان، يصمُّ الأذان، صامتٌ كان، نعم، لكنّ حشرجة الموت المتقطع الذي كان يخرج من حلقه، و دموعه التي لم يعد يتذوّق ملوحتها، جلجلت كل ما تبقى بداخلنا من معان. لم يصمت الطفلان برهة، فمن قال أن الكلمات جميعها يجب أن تخرج من الفم أو تصل الآذان! ربَّ كلمة صامتة بلغت مشارق الأرض و مغاربها ، ربَّ نظرة كسيرة نحّت بليغ القصائد جانباً .. الصّمت هو الحوار الأبلغ لمن أراد الإنصات


يتنحى قليلا مشهد الأطفال، لنلتفت إلى الخبر الذي يمرُّ على عجالة: " 44 أعدموا اليوم ميدانياً في ساحة بابا عمرو" ،و تنتقل المذيعة للخبر الذي يليه و يضاهيه بشاعة . يكفي وحده هذا الخبر لنحيا دهراً ننسجُ تفاصيل ذلك المشهد الذّي لم يجد له مصورًا ليخلّده. ترى ماذا كان يجول بخلد الأول، و بم تمتمت شفاه الثاني ؟ هل كان الثالث مبتسماً يشمُّ رائحة الجنان، أم أنّه يحاول عبثا معاندة قدميه المرتجفتين كحال الذي بجانبه؟ ما بال الرابع فقد الإحساس بمن حوله منذ أن شُقت ثياب أمّه أمام ناظريه، و أفرغت شظية ما بعين طفلته من دماء؟ هل اختلس الخامس النّظر من تحت عصابة عينيه إلى الرّصاصة و هي تقترب من جسده؟ و هل عصب القاتل الأعين رحمة بهم ابتداء !


لم يكن القتلى في ذاك المشهد 44 فقط، فالمرء يقتل مرّة ، و يقتل من ينظر إلى فراق محبوبه ألف مرة، و يتجرع الألم رشفة رشفة، فلم نعد ندري لأيهما نقدّم العزاء، بالمقتول أم فاقده! ترى من ذا الذي قتلهم ، أهو القاتل وحده من ضغط على الزناد ؟أليس الصمت أشد فتكا بهم؟ أيها السلاح من عبّأك ؟ أيها الجندي من أفسح لك الطريق لتسير واثق الخطى إلى عقر منازلهم؟





صَمَت القلم طويلا بعد أن انحنى خجلا من عجزه. و كلّما راودته نفسه ليخط حرفا، أوقفته كلمات نزار قباني:

إذا خسرنا الحرب،لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل مايملكه الشرقيُّ من مواهب الخطابة
بالعنتريّات التي ماقتلت ذبابة
لأننا ندخلها
بمنطق الطبلة والربابة

هم لا يريدون مدامعنا أو كلماتنا التي يقرأها على عجالة عدد يسير . لكن رغم تلك الحقيقة، فقد أجبرتُه اليوم على النهوض لأجلي فقط و إن كان عليلا ، مشوهاً؛ فلأن ينهض خجلا خيرٌ من أن ينام دهراً، و لأن ينطق حقاً خير من أن يصمت كمداً. لعل ّالكلمات تطفئ و لو لثوان معدودة ناراً لا انخماد لها دون أن أرى رأس الأسد منكّسا. لعلّ الكلمات تشفع لنا أمام دعوات أهل سوريا الصاعدة إلى السماء على من خذلهم. فإما أن نحيا لنصرتهم بشتى ما نملك، و إمّا أن نموت لأجلهم، لكن أن نقف في الحياد لا إلى هذا و لا إلى ذاك ، فهو تالله الهوان


ما دام في الشام - بجَلَد حمصــها و صبر غزّتــها- شجر زيتــون صامد أمام العدا ، فلا مات وطــنٌ، و لا عاشت يدٌ امتدّت لتستأصل رقــاب أهلــه

Tuesday, January 31, 2012

أحرفٌ ثوريّة

الحرف سلطان تربّع على عروش البيان، و استحوذ على عقول الناس جاهلهم و عالمهم. به صيغت الكلمات ،و تشكلت الأفكار، و حيكت الخطب. سوريــا اسم ذو جذور آشورية، قيل أنها تعني الهلال الخصيب أو الشمس أو الصخر. ثارت سوريا بأرضها و سمائها، و آن
لأحرفها أن تثـور و تتحدث عن مكنونها



سيـن .. سكوت سرى بين العروق فحالها ـــ أوعية يجري بها الدم بلا أثر! سينٌ، حرف ذو مدة استفتحت به كلمة سوريا لنقف حينا عند البداية. بدايةٌ مبهمة الملامح، قوية الاندفاع، مجهولة العواقب. بدايةٌ أصّلت في الجسد بذرة الخنوع و الخضوع و الرضى بالطغيان. تحكي السّين بنتواءاتها قصة شعب عاش زمانا محاصرا بين أسوار الجبروت حتى بات مجبرا على استجداء رضى السلطان، فكلمة اللسان تقاس بالمرصاد، وحركة البنان توضع في المكيال. بين نتوءة السّين الأولى و الثانية صرخ الصمت و أخرس الزيف، و بين النتوءة الثانية و الثالثة علا الهتاف و الرفض، لكنه مازال عالقا عند حدود السّين ينازع ليخرج إلى التفافة الواو و انسيابيتها


واو .. ويلاتٌ تحملها التفافةٌ تبدأ ضيقة الخناق يلتحم بها الخير و الشر لينهيا دورة من الصراع الحتمي. صراع يذوي به الظلم و يشرق بعده نقاء الحق شعاعا ممتدا كامتداد الحرف و انسيابيته في آخره. ترى كم ودعنا في تلك الدائرة – ولازلنا - من أطهار تلألأت بهم السماء و بكت عليهم رمال الأرض! كم تبدو الحياة خاوية حين تحال الأجساد التي عشنا معها و عرفناها إلى أرقام لا تعلم هويتها. لعلهم دعوا الله أن تبقى جثثهم مجهولة حتى لا يعلم ذووهم مدى العذاب الذي لاقوه قبل أن تسلّم الأرواح لخالقها. هي مجهولة في الأرض الفانية ، معروفة في السماء الخالدة. هي أرواح باسلة ارتضت الفناء لأجل أن يخرج من سلم من بين براثن الأسد إلى رحاب جديدة


أما الـراء.. فرونقّ و بريق يلفّ الحناجر الهاتفة بزلزلة العروش. كلمات يتردّد صداها من صغريات الأرياف إلى كبرى المدن. للهتاف مكانة جوهرية لا ننكرها، إلا أنه يفقد دوره حين نرتضيه مجردا من العمل! فما بال جُلّنا اليوم اكتفى بالهتاف في المحافل و التجمعات، و نسي أن الكلمات لا توقف سيل الرصاص المنهمر. الهتاف لمن ضاقت به الحيلة و فرض عليه الطاغية أشهرا من القصف و التنكيل. لا يشفع الهتاف و الكلمات وحدها لمن بيده تقديم الكثير. لم تعد أذناي تقوى على سماع الأشعار، فبيت شعر يلقى هنا وجسد يسجى هناك!
أشكو هوان الكتابة و ها أنا أهرع إليها، أتناقض هو؟ أم أن اليد التي خلقت لي أضعف من أن ترفع أمام طاغية فتكتفي بتمزيق الورق الناعم برأس القلم المدبب. أخال نفسي جالسة على بعد متر من جلاد و ضحية، و أكتفي بتحويل قطرات دمه إلى مداد لقلمي؛ حقا ما أقسى وطأة الإلهام حين ينبع من أنّات المستضعفين! الكتابة وحدها لا تشفي؛ فبربكم كفوا عن مداعبة دمع روحي بفصيح الشعر، ففي القلب انقباض و غصة لا تشفيها فنون الأدب بأسرها


يـاء.. يا من ضاق ذرعا بتخبّطنا، يا من ضاقت نفسه شحاً عن دفع ثمن الحرية، يا من أرّقه الحنين لأيام الخنوع، ألا ترى الياء تحمل في التفافتها و انسيابيتها تاريخا بأسره. بيدأ الحرف ملتفا في اتجاه واحد، لكنه ما يلبث أن يغيّر مساره قبل أن يعاود سيره حينا قبل أن يستبدل الطريق ثالثة. هو الزمن ملتف كحال الحرف، يصفو سير الأحداث في ناح حينا، لكنه ما يلبث أن ينتقل لجهة أخرى. هي حقيقة على قدر بساطتها، على قدر ما تلقى من إنكار و تجاهل ممّن غرته دنياه
يا من تعجل حجب الغمام و الغمة ، تمهّل، فها نحن نزلزل زلزالا شديدا ليسقط عن سماء أوطاننا من لا حاجة للبشرية به


وأخيرا بالألف أسأل .. أليس من أخذ بملك ملوك أفريقيا إلى جحر لا يرتضيه كائن، و ألقى بفرعون مصر على فراش ينتقل به من زنزانة لأخرى، و بعث بفاسد اليمن إلى أبواب المستشفيات موسوما بوجه محترق ، و طوى اسم من حمل لقب العابدين إلى غياهب النسيان، بقادر أن يرينا مزيدا من قدرته في طاغية سوريا؟ يراهن كل حاكم على قدرة صموده أمام سيل شعبه العرمرم ، و يختال بعدته و عتاده، و ما علم أن الإرادة لا رادَ لها. ستطوى صفحة الأسد كما طويت صفحة من اتبع هداهم ، و سيشهد عالمنا العربي حقبة لا تعرف امتدادا لجذور الظلم، و لاتحوي أوكارا لمجانين السلطة، و عشاق الدماء!


دامت سـوريــا نورا ساطعا بالإيمان و العزة ..